رئبال الجبوري
وجماليات النصوص المكثفة

عامر خليل

بين الفينة والأخرى تأتينا بعض الأصوات النادرة من عمق الشعر وذلك من خلال التجليات التي تترك انطباعاً جميلاً في الذاكرة التي تهتم بالنتاجات الشعرية العربية التي تظهر هنا أو هناك.

قبل أسابيع قرأت كتاباً غريباً لشاعر جديد على الساحة الأدبية ألا وهو رئبال الجبوري تحت عنوان ((العيون كتاب في البلاغة)) ويتضمن نصوصاً سريعة وقصيرة ومكثفة تحمل دلالات لشاعر ذكي يتمتع بخيال واسع. والقارئ الذي يغوص في صفحات الكتاب سرعان ما يدرك بأن فنية معينة تمسك أوراق الشاعر من أول الغلاف حتى منتهاه.فالشاعر يتنقل في جمله ما بين البلاغة المبطنة وبين السخرية وتارة يتعمق مازجاً السخرية بأهم مواد عالمنا في مختلف تجلياته.

كتاب رئبال السريع بجمله ولقطاته يمنح الشعر طاقة في الشكل وفي المعنى. الشكل السريع المكثف. والمعنى الذي يقبض على الذهن من خلال الصورة التي قد لا يتوقعها القارئ. رئبال يكتب شعراً. يكتب نثراً. يكتب وصايا. يكتب حكماً. يكتب برقيات، ولكنه في نهاية المطاف يفتح في الذهن نهراً من الجماليات المقبولة في علم اللغة.نقصد جماليات النصوص المكثفة التي تخلص القارئ من السرد الطويل والقصائد التي قد تتعب الذهن ولا تقدم له ما يمتع وما يسهم في زيادة معارفه.

 

لتقرأ بعض ما ورد في كتابه:

وما الكون إلا من موسوعة الله.
أو:
العقل سبورة دون طباشير.
أو
النومُ قفزةٌ في الظلام.
أو:
الغربةُ حلمٌ مُعلق.

أن كل ما يوره الشاعر في هذه الجمل سرعان ما يحرك الذهن ويسرح به بعيداً، لأن هذا النصوص المقطعة، تجمل دلالاتها اللغوية التي تفجر في القارئ شغفاً لمعرفة ما. فالشاعر يعتمد السرعة. وقد نجح إلى حد ما في توظيف اللغة ضمن الكثير من الصور وليس جميعها:

 

لتقرأ المقاطع التالية:

الخوفُ ساعةٌ رملية.

أو هذا المقطع الجميل الدال على الحنكة:

أجملُ الأعمارِ سنُ اللابأس.

أو هذا المقطع الذي يوظف البعد المعرفي:

كأن البحرُ أرشيف الأرض.

أو هذا المقطع الصوفي:

الأرواح أعمدة السماء.

أوهذين المقطعين السرياليين:

1 – كأن الصحراءَ ثوبٌ متحركٌ.

2 – الكؤوسُ الفارغةُ وديانٌ جافةٌ.

ان هذه الشعرية الجميلة السريعة المكثفة للشاعر رئبال الجبوري، تفرض نمطاً شلاني مختزلاً ومثيراً، يبث في النفوس راحة، كما إنه يفتح في العقل باباً واسعاً يثبت قدرة اللغة العربية على التطور في خلق الأشكال الشعرية الجديدة والمعاصرة. وتجربة رئبال الأولى يمكن لها أن تتطور وتؤكد حضوراً لافتاً في المستقبل.

* ((العيون كتاب في البلاغة))
كتاب من منشورات دار التكوين / دمشق سوريا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Recent Posts