في مجموعته «العيون كتاب في البلاغة» للشاعر رئبال الجبوري

قصائد النانو نصوص شديدة الكثافة واسعة الدلالات

رولا حسن

يقول باشو شاعر الهايكو العظيم «منذ الأزمان القديمة وجد أولئك الذين يمتلكون إحساساً بالصفاء, بهجة في معرفة حقيقة الأشياء» وهكذا كان الهايكو لفترة طويلة مثار جدل ونقد, فالهايكو قصيدة وجد فيها الشعراء اليابانيون أداة مناسبة لإنتاج معادل معبر عن تجاربه, فهل تجد قصيدة النانو الآن تقبلاً أم ستبقى مثار جدل ونقد على الأقل بداية كونها تجريبا بشكل أولي على مستوى اللغة وعلى مستوى التجربة ثانياً, لا أعتقد شخصياً أن هناك تجديداً على مستوى النص لا يوازيه تجديد على مستوى التجربة وهو أمر أكده منذ أكثر من ستة عقود الشاعر أنسي الحاج في بيانه لقصيدة النثر والتي كانت مقدمة لمجموعته «لن».


قصيدة النانو

تتفق قصيدة النانو مع قصيدة الهايكو في أن التجربة المباشرة هي التجربة الجمالية, ففي الهايكو عليك أن تنسى العلاقة بين الذات والموضوع لتجرب أكثر اللحظات جمالية وهذا ما يعبر عنه «اوتسوجي» بقوله: «إن المرء يمضي في هذه الحالة إلى قلب الأشياء المخلوقة ويصبح متحداً بالطبيعة». أما في قصائد النانو فعليك أن تنسى العلاقة بين الذات والموضوع وتمضي إلى قلب الأشياء وتتحد بكل ما حولك وتغوص عميقاً في التجربة. هكذا وبكلمات لا تقل عن ثلاث وليست غالباً أكثر من خمس تختصر حالة ما في حياتنا المعاصرة عبر تجريب في اللغة والاشتغال على مفرداتها وزحزحتها كلياً من أماكنها المعتادة إلى أماكن أخرى لم نعتد عليها لا على المستوى الذهني ولا على المستوى البلاغي لخلق مشهد ربما نعرفه لكننا لم ننجح مرة في التعبير عنه لكن الشاعر في قصائد النانو يقول هذا العادي مخلصاً إياه من عاديته وحفره عميقا داخلنا فأية لغة تلك التي نملك والتي تستطيع أن تكون طوع أي شاعر شرط أن يعرف كيف يطوعها وكيف ينقل الأفعال والدلالات والمجاز من منطقة إلى أخرى ومن نص إلى آخر, فهل نجح الشاعر رئبال الجبوري في مجموعته الصادرة حديثاً عن دار التكوين – دمشق بتطويع اللغة وباشتغال بلاغي جديد عليها لخلق قصيدة جديدة ربما تصبح يوماً ما علامة العصر وربما لخلق منجز شعري خارج سيطرة كل الذهنيات المسبقة، والاشتغال على نص يرفض النص الأسبق ومنجزه الوصائي نص يرفض أية وصاية كما أنه نص بلا أباء وربما الرغبة بكتابة نص يذهب بعيداً… أبعد من نص الهايكو والتمرس بكتابته لخلق نص مختصر هو شكل من أشكال حياتنا الراهنة فالحياة سريعة والوقفة لا بد وأن تكون قصيرة في أي مكان فكيف وإن كانت الوقفة في الشعر كما قال باشلار مرة «القصيدة وقفة قصيرة في الزمن».

 

شديد الكثافة
لا شك أن التجريب كان هدف الاشتغال على هذا النوع من النصوص وهو ما يؤكده الشاعر العراقي أسعد الجبوري الذي كان من أوائل المجربين في هذا المجال حيث يقول «وكان من آخر تلك الأفعال التجريبية التمرس على كتابة ما هو أبعد من الهايكو وأشد اختصارا من أي حجم شعري في العالم ألا وهو التجريب على صياغة مشروع عربي شديد الكثافة وشاسع الدلالات والمعاني «فاللغة العربية برأيه قابلة لأشد التفجيرات وقابلة للتجريب بمختلف مكوناتها البلاغية والمجازية وذلك عندما تتم السيطرة على باطن اللغة لا الركض على ظهرها مثلما يفعل الشعراء راهناً». ‏
هل يمكن أن نعد أن نصوص رئبال الجبوري انطلقت من مبادئ والده التي أرادت بشكل من الأشكال خلق نص جديد يشجر الصحاري التي أخذت تتسع في الشعرية العربية وكأنه يمضي أيضا في مشروع شعري جديد سيراهن عليه طويلا وستفتح في وجهه أبواب وتفتح أخرى….!!! ‏

النصوص التي سأختارها تعتمد على المشهدية مزج الملموس بالوهمي والواقع المجرد بفكرة بالخيال, تصور مختلف لكل ما حولنا بشكل فج أحيانا لدرجة تبدو الشعرية حلما بعيد المنال, أما في أماكن أخرى فهو ينجح أن ينقل الفجاجة إلى حال الشعرية أما كيف يكون الفج شعريا فهي اللعبة اللغوية المشغول عليها بحرفة في بعض النصوص حيث هناك كاميرا أو عين ما ترى الأشياء بشكل مختلف وحقيقي. تفاجئنا بالحقائق وترمي في وجهنا الأدلة ولا نملك أمام فتنة اللغة وطراوتها واتساعها سوى الدهشة.

 

مختارات

– الحب تربة القصيدة.

– وما الكون إلا من موسوعة الله.

– النوم قبر مفتوح.

– وما الغصون إلا منتدى للعصافير.

– الخوف ساعة رملية.

– الأرواح أعمدة السماء.

– الكؤوس الفارغة وديان جافة.

– النسيان ذاكرة خارج التغطية.

– وما الكون إلا مختبر للموت.

– الشطرنج معارك دون دماء.

نشر المقال في جريدة تشرين
http://tishreen.info/_cult.asp?FileName=24209607620111115044022

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Recent Posts